الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

23

مناهل العرفان في علوم القرآن

وتعاليمه ، والقرآن وعلومه ، والسنة وتحريرها ، تلقينا لا تدوينا ، ومشافهة لا كتابة . عهد التمهيد لتدوين علوم القرآن ثم جاءت خلافة عثمان رضى اللّه عنه ، وقد اتّسعت رقعة الإسلام ، واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية ، وخيف أن تذوب خصائص العروبة من العرب من جراء هذا الفتح والاختلاط ، بل خيف على القرآن نفسه أن يختلف المسلمون فيه إن لم يجتمعوا على مصحف إمام ، فتكون فتنة في الأرض وفساد كبير . لهذا أمر رضى اللّه عنه أن يجمع القرآن في مصحف إمام ، وأن تنسخ منه مصاحف يبعث بها إلى أقطار الإسلام ، وأن يحرق الناس كل ما عداها ولا يعتمدوا سواها . كما يأتيك تفصيله في مبحث جمع القرآن وكتابته . وبهذا العمل وضع عثمان رضى اللّه عنه الأساس لما نسميه علم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني . ثم جاء علىّ رضى اللّه عنه فلاحظ العجمة تحيف على اللغة العربية ؛ وسمع ما أوجس منه خيفة على لسان العرب فأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع بعض قواعد لحماية لغة القرآن من هذا العبث والخلل ، وخطّ له الخطط وشرع له المنهج . وبذلك يمكننا أن نعتبر أن عليّا رضى اللّه عنه قد وضع الأساس لما نسميه علم النحو ، ويتبعه علم إعراب القرآن ( على الخلاف في هذه الرواية ) . ثم انقضى عهد الخلافة الرشيدة ، وجاء عهد بنى أمية ، وهمّة مشاهير الصحابة والتابعين متجهة إلى نشر علوم القرآن بالرواية والتلقين ، لا بالكتابة والتدوين . ولكن هذه الهمة في هذا النشر يصحّ أن نعتبرها تمهيدا لتدوينها . وعلى رأس من ضرب بسهم وفير في هذه الرواية : الأربعة الخلفاء ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد اللّه بن الزبير . وكلهم من الصحابة رضوان اللّه عليهم .